القاضي النعمان المغربي

133

تأويل الدعائم

المجلس السادس من الجزء الثاني : [ في ذكر طهارات الأطعمة ] بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الّذي أعجز العقول عن تحديد صفته وفطر جميع البرايا على يقين معرفته . وصلّى اللّه على محمد نبيه المصطفى من بريته وعلى الأئمة الهداة البررة من ذريته . قد سمعتم معشر الإخوان ما جاء من البيان في تأويل ما بسطكم فيما مضى من الزمان في كتاب دعائم الإسلام من ظاهر علم الحلال والحرام وانتهى الشرح من ذلك فيما سمعتموه إلى آخر باب التيمم كما علمتموه ويتلو ذلك : ذكر طهارات الأطعمة والأشربة : ومثل الطعام والشراب في الباطن مثل العلم والحكمة فكما تكون حياة الأبدان الظاهرة في الظاهر بالطعام والشراب كذلك تكون حياة النفوس الباطنة في الباطن بالعلم والحكمة ، وقد تقدم القول فيما سمعتموه بأن العلم في الباطن مثله مثل الماء وما جاء في ذلك من البيان في ظاهر القرآن ، وسمعتم شرح أجناس المياه في طعومها وما طهر وما نجس منها لما تداخله من النجاسات وباطن كل شيء من ذلك وحكم ما خالطه الحلال من غيره فغيره عن حاله وصفته وأحاله عن كيفيته ومثل ذلك في الباطن وكذلك الطعام إذا داخلته النجاسة أو خالطه ما يحله انتقل حكمه عما كان عليه في الظاهر والباطن وزال عنه اسمه الّذي كان يسمى به قبل ذلك ولزمه اسم غيره فهذه جملة القول في طهارات الطعام والشراب ونجاستهما في الظاهر والباطن . والّذي أثبت في أول هذا الباب من كتاب الدعائم ما جاء عن الصادق صلى اللّه عليه وسلم أنه سئل عن السفرة والخوان تصيبه الخمر أيوكل عليه ؟ قال إن كان يابسا قد جف فلا بأس ، تأويل ذلك في الباطن أن الخمر وما جانسها من الأشربة المسكرة التي تحيل العقول مثلها في الباطن مثل العلوم الغامضة التي لا يحتملها ولا يعقل حقائقها من سمعها ممن لم يبلغ حدودها لأن اللّه تعالى خلق الخلق كما أخبر في كتابه أطوارا وفضل بعضهم على بعض كما ذكر فيه لكل شيء قدرا كما أخبر ولم يكلف اللّه نفسا إلا ما آتاها ولم يحملها إلا وسعها كما أنبأ بذلك في الكتاب وتعارفه في ظواهر الأمور ذوو الألباب لأن الظرف إذا حمل فوق وسعه وهي وانشق والجسم ما كان إذا حمل عليه فوق طاقته تفسخ واندق .